أبي منصور الماتريدي
283
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيمن أراد ، وهذا هو القرآن الكريم يخبرنا عن داود وسليمان في أمر عرض عليهما ، فحكم كل واحد منهما بحكم يخالف الآخر ، فيقول : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 79 ] . ونستطيع القول : إن التفسير الإشاري لا يحكمه منهج معين ، لكن له شروطا لا بد من توافرها حتى يكون تفسيرا مقبولا ، وهي خمسة شروط كالآتي : أولا : عدم التنافي مع المعنى الظاهر في النظم الكريم . ثانيا : ألا يدعى أنه المراد وحده دون الظاهر . ثالثا : ألا يكون تأويلا بعيدا سخيفا : كتفسير بعضهم قول الله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] بجعل كلمة لَمَعَ ماضيا ، وكلمة الْمُحْسِنِينَ مفعوله ، ومثل ذلك تفسير الباطنية لقوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل : 16 ] أي : أن الإمام عليّا ورث النبي في علمه . رابعا : ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي ، بل يكون له شاهد شرعي يؤيده . خامسا : ألا يكون فيه تشويه على أفهام الناس « 1 » . وبدون هذه الشروط لا يقبل التفسير الإشاري ، ويكون عند ذلك من قبيل التفسير بالهوى والرأي المنهي عنه . وقبل أن نغادر إلى الحديث عن المنهج الحديث في التفسير ، نشير إلى أبرز التفاسير الإشارية ، وهي : تفسير النيسابوري ، وتفسير روح المعاني للآلوسي ، وتفسير التستري ، وتفسير ابن عربي الفيلسوف ، وليس ابن العربي الفقيه القرطبي . وأخيرا أنوه بأمر مهم ، وهو تحذير المسلمين من التفاسير الإشارية وعدم الاعتماد عليها دون التفاسير الأخرى ، وهذا ما حذر منه الشيخ الزرقاني حين قال : « لعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر ، فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة ، بل الإسلام كله ، ما هو إلا سوانح وواردات ، على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات ، وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات ، وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح ؛ فلم يتقيدوا بتكاليف
--> ( 1 ) ينظر : الزرقاني : مناهل العرفان ( 2 / 81 ) ، ومحمد علي الصابوني : التبيان في علوم القرآن ص ( 175 ) .